• facebook
  • twitter
  • google+
  • youtube
  • rss
أخبـار

اتفاق مانيلا – مانديناو.. استراتيجية الاستدراج الناعم

اتفاق مانيلا – مانديناو.. استراتيجية الاستدراج الناعم


بعد 40 عامًا من جهاد مسلمي جنوب الفلبين ضد حكومة مانيلا الكاثوليكية لأجل إقامة دولة إسلامية مستقلة في جنوب الفلبين، سقط خلالها قرابة 50 ألف قتيلٍ، ونزح مئات الآلاف من السكان.. وقّعت حكومة مانيلا مسوّدة اتفاقٍ إطاريٍ مع "جبهة تحرير مورو الإسلامية" أكبر فصيل إسلامي مسلّح بجزيرة ميندناو؛ ليتحول الهدف من إقامة دولة إسلامية مستقلة في الجنوب إلى إقامة منطقة حكم ذاتي خاضعة لسلطة الفلبين، ولتتحوّل "ميندناو" (قاعدة التجمع الإسلامي في الجنوب) إلى "بانجسامورو" (أي المسلمين والأقلية غير المسلمة في الجنوب).

وتضمّنت مسوّدة الاتفاق الإطاري، التي تمت برعاية يابانية وماليزية وتركية، وقف مطالبات المسلمين بانفصال الجنوب، ومنحهم حكمًا ذاتيًا محدودًا مع حصة من الضرائب وعائدات المشاريع الاستثمارية الكبرى، وتفكيك الميلشيات المسلّحة لجبهة مورو الإسلامية، واضطلاع الجبهة بمهمة إقناع الفصائل المسلّحة الأخرى بعدم جدوى فكرة الانفصال، والاكتفاء بتكوين منطقو حكم ذاتي، وتسمية منطقة الجنوب بـ "بانجسامورو"، وتكوين لجنة انتقالية من 15 عضوًا لوضع مشروع قانون يقضي بإقامة منطقة الحكم الذاتي الجديدة في غضون عامين، على أن يتم توقيع الاتفاق بصيغته النهائية بعد أربع سنوات، وتحديدًا في منتصف 2016م.

وبالرغم من أن البعض طار فرحًا بهذا الاتفاق، ووصفه بالتاريخي، وتصريح أمريكا وفرنسا وبريطانيا بدعم هذا الاتفاق.. إلا أنه بالنظر إلى بنود هذا الاتفاق، وما سبقه وصاحبه من ملابسات.. يمكننا أن نتلمّس الدوافع الحقيقية للحكومة الفلبينية الكاثوليكية في مانيلا وراء إصرارها على توقيع هذه الوثيقة المبدأية، في استراتيجية استدراجٍ ناعمٍ تشكّلها ثلاثة دوافع رئيسية: الاحتواء، الهدنة، والاستغلال الاقتصادي.

1- الاحتواء: 
أي احتواء الجنوب المسلم المطالب بالاستقلال، وتحييد الفصيل الأكبر فيه "جبهة مورو الإسلامية". ويظهر هذا جليًا في إقامة حفل توقيع الميثاق في العاصمة الفلبينية الكاثوليكية "مانيلا"، بل وفي القصر الرئاسي، ونقل وقائع الحفل عبر التلفزيون الوطني. وإعلان الرئيس الفلبيني المسيحي "بينينو أكينو" أنه لن تعود ميندناو لتطالب بالانفصال، إضافةً إلى التسمية التي أطلقها على الجنوب المسلم، (بانجسامورو) أي المسلمين والأقلية غير المسلمة في الجنوب، وهو ما يعني عدم الاعتراف الكامل بالمسلمين في "ميندناو". ومن أمارات الاحتواء أيضًا التزام مسلمي الجنوب بالدستور الفلبيني, وأن الحكومة ستتولى شئون الدفاع والأمن والخارجية فضلا عن السياسة النقدية والعملة والجنسية، ما يعني ضيق مساحة السلطات الممنوحة لمسلمي الجنوب. وأخيرًا وليس آخرًا، أن ينخرط مقاتلو جبهة مورو الإسلامية - البالغ عددهم قرابة 12 ألف مقاتل- في برنامج لتفكيك مليشياتهم المسلحة بحيث تصبح غير قابلة للعمل، بعدما وصلوا إلى مرحلة متطورة في تصنيع الأسلحة الخفيفة والقذائف المضادة للطائرات، وهو ما صرّح به أكينو: "الأيدي التي حملت البنادق في الماضي ستلقيها من أجل حرث الأرض, وبيع المحصول, وإدارة محطات العمل, وإتاحة الفرصة لمواطنين آخرين". وتتضّح سوء نيّة الحكومة في الإيحاء الواضح في كلام "أكينو" بدعوة جيش الشعب الجديد (تنظيم شيوعي مناوئ) إلى أن يحذو - هو وغيره من الفصائل- حذو جبهة مورو الاسلامية الانفصالية ويعود إلى طاولة المفاوضات - رغم القبض على أحد زعمائه (بنيامين ميندوزا) قبل الإعلان عن الاتفاق بيوم واحد-، إذ يعني هذا أن عدم استجابة هذه الفصائل لهذه الدعوة (الفرصة) عبر مجهودات "جبهة مورو الإسلامية"، اتخاذ إجراءات رادعة وشاملة ضدها.. وليس أدلّ على ذلك من أمرِ القائد العسكرى الإقليمى الأمريكى الميجور جنرال "ري أردو" لسُفن تابعة للقوات البحرية وطائرات تابعة لسلاح الجو الفلبينى بتقديم الدعم إلى القوات الحكومية التي تقاتل مسلحى جماعة "أبو سياف" جنوبي البلاد، بعد مصرع 4 وإصابة 22 من قوات المارينز الأمريكية في الفلبين على يد مجموعة "أبو سياف" المسلّحة، أواخر أكتوبر الماضي. ومما يعضّد عملية الاحتواء، ما أعلنه مراد إبراهيم - رئيس جبهة مورو الإسلامية ذات الخلفية الإخوانية-: "انتهى عهد السلاح. أهم أسلوب في حل المشاكل يكمن في المفاوضات"، وما تلا ذلك من محاولات الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، أكمل الدين إحسان أوغلي، لتأسيس "مجلس بانجسامورو التنسيقي" المكوّن من منظمتي (جبهة تحرير مورو الإسلامية) و(جبهة تحرير مورو الوطنية) المسلحتين.

2- الهدنة: 
وذلك أن المفاوضات بدأت سرًا منذ العام الماضي في اليابان، ثم أعلن الرئيس الرئيس الفلبيني بنفسه عن الاتفاق الإطاري قبل أسبوعٍ من عقده في مانيلا في 15 أكتوبر، لتأتي مسوّدة الاتفاق غير متضمنة لخارطة طريق واضحة ومحددة بمدة زمنية، بل أعطتها مدة أربع سنوات تمثل مدىً زمنيًا ملائمًا كهدنة تتمكّن خلالها الحكومة المسيحية من تمرير خطتها لاحتواء الجنوب وبسط نفوذها عليه، وربطه باستثمارات دولية ومحلية لا يمكنه التملّص منها، وفوق كل ذلك عدم وجود ضمانة بتمرير الاتفاق النهائي بتصويت الأغلبية الكاثوليكية عليه. أيضًا، المماطلة الحكومية والتغاضي غير المفهوم من جبهة مورو عن تحديد مساحة الإقليم الذي سيحصل على الحكم الذاتي، وتأجيله مع تفاصيل أخرى ستتمّ مناقشتها لاحقًا. وخلال فترة الهدنة ستكون "جبهة مورو الإسلامية" ذات الخلفية الإخوانية، منشغلة بمحاولات إقناع - ربما تتطوّر إلى مواجهات مع- الفصائل المسلحة المناوئة الأخرى، وعلى رأسها "جماعة أبو سياف" ذات الخلفية السلفية، و"الجبهة الوطنية لتحرير مورو" ذات الخلفية القومية، و"جيش الشعب الجديد" ذو الخلفية الشيوعية، و"حركة الحرية الإسلامية بانجاسومورو" المنشقة عن "جبهة تحرير مورو الإسلامية"، والتي اشتبكت معها في 21 أكتوبر الماضي، ما أسفر عن سقوط قتيلين و4 جرحى، في بادرة تؤكّد ما ذكرناه، إضافة إلى خطرٍ آخر يتمثّل في العشائر القوية التي تسيطر على بعض الأجزاء في الجنوب وربما تخشى من فقد نفوذها السياسي. ولا يبدو أن الحكومة الفلبينية تعوّل كثيرًا على الاتفاق الإطاري إذ أجرت قواتها البحرية - في 22 أكتوبر- مناورة مشتركة مع البحرية الأسترالية لتعزيز قدرات أمنها البحري، إضافة إلى طلب الفلبين المساعدة من الولايات المتحدة لتحديث سفنها وطائراتها الحربية وتدريب قواتها، واستقبالها بعدها بأيام حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس جورج واشنطن، ما يعني توفير الإمكانات اللازمة لفرض إرادة مانيلا بالقوة في حال لم توفّق جبهة مورو في مساعيها الإقناعية خلال فترة الهدنة. ومن الواضح أن هذه الهدنة ستوفّر مناخًا جيدًا للاستغلال الاقتصادي لمنطقة الجنوب.

3- الاستغلال الاقتصادي: 
تشكّل جزيرة "ميندناو" (أي الجزيرة الكبيرة في الجنوب) أكثر من ثلثِ مساحة الفلبين، وقاعدةً لجبهة مورو الإسلامية للتحرير. وتعدُّ هذه الجزيرة هي الأغنى والأكثر خصوبة في الفلبين، لما تحويه من ثروات طبيعية واحتياطيات معدنية تقدر بثلاثمائة واثني عشر مليار دولار (نحو خمسي اجمالي الاحتياطيات في الفلبين)، حيث تضم الذهب والنحاس والنيكل والحديد والكروم والمنجنيز والفحم والغاز الطبيعي وغيره, إضافة إلى اكتشاف النفط فيها مؤخرًا. يأتي هذا الاتفاق في وقت تتحدى فيه الفلبين سمعتها كدولة متباطئة اقتصاديًا، رغم ما لديها من إمكانات نموٍ قوية تستحوذ اهتمام المستثمرين، وقد تضمّنت مسوّدة الاتفاق منح مسلمي الجنوب مجرّد "حصة من الضرائب وعائدات الاستثمار"! وهو ما يعكس دافع الاستغلال الاقتصادي مِن قبَل حكومة مانيلا لثروات "مانديناو" المسلمة. وبمجرد الإعلان عن توقيع مسوّدة الاتفاق الإطاري، برزت رغبات محلية وخارجية في الاستثمار في هذه الجزيرة الغنية، فقد أعلن بعض رجال الأعمال الفلبينين رغبتهم في بناء فنادق ومراكز تجارية ودور عرض سينمائية في ميندناو. وفي اليوم التالي مباشرة انعقد الاجتماع الصيني الفلبيني الـ 18 بهدف تعميق مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي ومجالات أخرى. وبعدها بعدة أيام – في 20 أكتوبر- وصل رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك آيرولت إلى العاصمة الفلبينية مانيلا، برفقته130 شخصاً بينهم وزراء وبرلمانيون ورجال أعمال، حيث عُقِد منتدى تجاري فلبيني فرنسي، وتمّ توقيع العديد من العقود والاتفاقات التجارية والمشاريع الاستثمارية.

على الجانب المقابل، يبدو أن جبهة مورو الإسلامية تتعامل بحذر مع هذه الاتفاقية الإطارية وحكومة مانيلا، حيث طالب ريس الجبهة مراد إبراهيم، الحكومة اليابانية - العدو الإقليمي للفلبين- بتقديم سبل الدعم لبرامج بانجسامورو المعيشية ومشروعات البنية التحتية. إضافةً إلى أنه صرّح مؤكدًا أن هذا الاتفاق لن يكون معتمدًا إلا بموافقة المواطنين المسلمين والفصائل المسلّحة على بنوده بشكل كامل.

بقيَ لنا أن نشير إلى أن هذا الاتفاق الإطاري يمثل طليعةً لاستراتيجية احتواءٍ يُتوقّع أن تسلكها الأنظمة الحاكمة المستبدة بدرجات متفاوتة مع إخواننا المسلمين المستضعفين في سريلانكا والصين وروسيا ودول أوروبا الشرقية.

،
  • تاريخ الإضافة : السبت  7 يونيه 2014 - 14:30 pm
  • عدد المشاهدات : 1433