• facebook
  • twitter
  • google+
  • youtube
  • rss
ملف: "الإسلاموفوبيا" ملف: "الترجمة الإسلامية" ملف: "الإسلام والمسلمون في العالم" ملف: "المسلمون الجدد"
أخبـار

خريطة الأقليات المسلمة في آسيا.. بين التهميش والاضطهاد

خريطة الأقليات المسلمة في آسيا.. بين التهميش والاضطهاد

إعداد:ابراهيم فوزي

 

مقدمة:

 

شهدت عدد من الدول الآسيوية صراعات طائفية مُعتمدة على البُعد الديني، وتعاني الأقليات المُسلمة من تهميش واضطهاد ومُطالبة أحيانا بتدخل أو انفصال لحل أزماتها التي تتركز في الغالب بدول جنوب وشرق اسيا وما يستتبعها من ظهور حركات انفصالية التي يستخدم بعضها سلاح المُقاومة السلمية ويلجأ البعض الآخر إلى المقاومة بالأشكال المسلحة والعنيفة, وتحاول هذه الدراسة رسم خريطة لأسباب ومشكلات والأقليات المسلمة التي تعاني من اضطهاد ديني في اسيا وتركز الدراسة على دول ثلاث هُم "الصين وميانمار وسريلانكا" نظرا للأحداث الأخيرة التي جرت ضد المسلمين بها خاصة ميانمار، وهو الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالا رئيساً وهو " لماذا تتعرض الأقليات المُسلمة في تلك الدول للاضطهاد والقمع؟ وهل ذلك القمع مدعوما من الحكومة أم هو صراع عرقي؟" ويُمكن أن تتفرع عدة تساؤلات فرعية تهدف للإجابة بالبحث عن عدة نقاط مثل: "ما هي الخلفية التاريخية لتلك الأقليات وهل للأبعاد الاقتصادية دخلُ في ذلك الاضطهاد أم الأمر مُقتصر على الجانب الديني ما هو تعامُل الحكومات الأسيوية مع الأقليات المُسلمة في تلك الدول؟  أو بطريقة أُخرى ما هي المشاكل التي يواجهها المُسلمون في تلك الدول وما هي مطالبهُم؟  ثُم ما هو التعامُل العربي والإسلامي مع قضايا الأقليات المُسلمة في تلك الدول الأسيوية ثُم ما هو موقف المُنظمات الحقوقية الأمريكية وهل دفاعها من أجل حقوق الانسان أم لمصالح غربية.

 

وتسعى الورقة لعرض مُتسلسل لمعرفة وضع الأقليات المُسلمة من منظور تاريخي وجغرافي انتقالاً منه للدوافع الحقيقة وراء الاضطهاد ثُم الموقف العربي تجاه تلك القضايا لكى تضَع الورقة في النهاية تصوراً لمُستقبل الأقليات المُسلمة في تلك الدول.

 

بداية لفظة الأقليات باعتبارها إحدى أهم مشكلات دول العالم عامة والدول النامية بشكل خاص, وبصرف النظر عن التنظيرات الكثيرة حول تعريف الأقلية الا أنها تنتج عن التعدد الاثني الموجود في الدولة باختلاف أنواعه إلّا أن أكثرُه وطأة هو التعدد القومي الديني والدولة في تعاملها مع التعدد الاثني تتجه نحو درب من اثنين باعتبارها مُشكلة صفرية تؤرق الكثير من الحكومات الاسيوية خاصة مع تعالي الصيحات الانفصالية لتلك القوميات، والدرب الأول: استراتيجية الإقصاء: وتنتهج الدولة فيها أساليب الإبادة الجماعية أو الإدماج والاستيعاب أما الدرب الثاني: استراتيجية التسوية وإدارة التعدد :وتتضمن الهيمنة على الجماعات الأثنية والتحكم فيها[1] ومن العرض التالي ستتبين سياسات الدول لمشمولة بالدراسة.

 

1- الصين

 

   تُعد الصين من أكثر دول العالم سُكاناً ليس فقط على مستوى القاره الأسيوية ولكن على مستوى العالم أجمع, وتتعدد القوميات والأديان واللغات بتعدد السكان, وبها54 لُغة و56 قومية أكبرها قومية "هان" وهي تضم أغلبية الصينيين, أما الأديان الرئيسية المعترف بها فهي خمسة: (البوذية, الاسلام, المسيحية الكاثوليكية, الطاوية) وحسب بعض الاحصاءات فإن أغلبية الصينيين لا يؤمنون بهذه الأديان جميعاً, أي أنهم لا يؤمنون بأي دين سماوياً كان أم وضعي[2] وهو ما يجعل المُسلمين أقلية في بلد بحجم الصين.

 

وضع الأقلية المُسلمة في الصين

 

 أولا : الخلفية التاريخية للأقلية المُسلمة

 

يتضح من التاريخ تذبذب أحوال المسلمين بين الاستقرار والمُعاناة, حيث شاركت بعض المليشيات الاسلامية التابعة للمنظمة الاسلامية لعموم الصين مع الجيش الصيني في مواجهة الغزو الياباني في الفترة بين (1937:1945), وفي فترة استقرار ما بعد المندشوريين استعاد المسلمون في الصين بعضاً من حقوقهم السياسية مثل تمثيلهم بمائة نائب في البرلمان الصيني عام1947[3]، الى أن جاء الحُكم الشيوعي للصين وبدأت المعاناة ويلاحظ الباحث ان المنظمات الإسلامية رغم أنها أقامت العديد من المساجد (تخطى 47 ألف مسجد) وازدهرت الحركة الاسلامية والنشاط الديني الاسلامي بالمساجد والمؤسسات ونشر اللغة العربية وإقامة علوم الدين إلّا أن كُل ذلك لم يؤد الى تخلي المسلمون عن نداء الواجب الوطني فقد أندمج المُسلمون في إطار الدولة الصينية بمواجهة الاستبداد الداخلي تارة والغزو الخارجي تارة أخرى, أي أن الدين الإسلامي لدى الأقلية المُسلمة لم يتعارض مع مفهوم الوطن فلم يمنعهم عن تلبية نداء الوطن .

 

ثانياً : جُغرافيا الأقلية المُسلمة في الصين 

 

أستمر الأمر على ذلك الحال إلى أن انتصرت الثورة الشيوعية في عام 1949 وهو ما نتج عنه محاولات عديدة للتضييق على الأقلية المُسلمة وإن كان للأمر بُعداً أيديولوجيا واقتصاديا إلّا أننا سوف نتناول الأمر من زاوية المكان حيث أن أغلبية الأقليات المُسلمة المُتعددة العرقيات تسكن الولايات الشمالية والغربية لتشكل الغالبية في تلك المناطق, ويُعتبر أقليم (تُركستان الشرقية) هو أكبر إقليم يشتمل على أغلبية مُسلمة وهو أكبر أقاليم الصين مساحة[4] وتُقدِّر الحكومة الصينية عدد المسلمين هناك بـ 7,5 ملايين[5]. يحد هذا الإقليم من الشمال الغربي كازاخستان، ومن الجنوب أفغانستان والهند، ومن الشرق أقاليم التيبت الصينية، حاولت الصين منذ عام 1759م احتلاله بسبب ثرواته الطبيعية وأهمها النفط الذي يسد 80% من احتياجاتها، واستطاعت بالفعل السيطرة عليه عام 1949 بعد نجاح الثورة الشيوعية، فأصدرت قانوناً بتغيير اسم الإقليم إلى "سنغيانغ أو إقليم أويغور" المتمتع بالحكم الذاتي[6]، فقام المسلمون نتيجة لذلك بثورات عديدة تطالب بالاستقلال عن الحكم الصيني، كان أشهرها ثورة (1965-1966)  التي قمعتها السلطات الصينية بالقوة، وأسفرت عن هجرة حوالي 250 ألفاً من الاقليم, وهنا بدأت معاناة المسلمين سواء في أماكن تواجدهم داخل الإقليم أو في أماكن لجوئهم بالخارج، حيث مارست الحكومة الصينية ضدهم صنوفاً مختلفة من القمع والاضطهاد. ورغبة منها في تهميش مظاهر الحياة الإسلامية بحجة مخالفة القوانين الصينية فعملت على إغلاق أكثر من عشرة آلاف مسجد من أصل 21 ألفًا في الإقليم ومنع استخدام الأحرف العربية في الكتابة وتطبيق قوانين أحوال شخصية يخالف بعضها أحكام الشريعة الإسلامية علاوة على إخضاع المدارس في تركستان الشرقية للمناهج التعليمية الصينية دون اعتبار للخصوصية الدينية والعرقية[7].

 

ثالثاً : تعامُل الحكومة الصينية مع الأقليات المُسلمة مُتعددة العرقيات

 

تُعتبر أقلية (الويغور) هي أكثر الأقليات المسلمة إقلاقا للسلطات الحكومية الصينية إذ أنها مُتمسكة بالشعائر والمظاهر الاسلامية التي تحاول الحكومة الصينية طمسها كما أنها تعتبر وجود الصين استعماراً لمنطقة لم  تكن تابعة للصين قبل عام 1949، في حين ترى الحكومة الصينية أن المعالم الاسلامية وتلك الأفكار الانفصالية تُعتبر تهديداً لأمن الصين القومي وأن محاولات الانفصال وأعمال العنف بين الويغور والهان هي أعمال إرهابية تحاول فيها الأقلية المُسلمة خداع المواطنين الويغوريين باسم " الجهاد الإسلامي ", وتعاملت الحكومة الصينية مع مسلمي الويغور في اطار السياسة التالية :

 

1- طمس المعالم الثقافية الاسلامية

 

يعارض النظام الشيوعي الصيني بشدة قومية الأقليات العرقية، وبالتالي ضيَّق الخناق على الدين، وتميزت الثورة الثقافية عام 1967 بتبني حملة للهيمنة الثقافية على معتقدات الأقليات الدينية وممارساتهم الثقافية والعمل على إلغاء تداول لغة الويغور "التركية" في المؤسَّسات التعليمية وحرق كتُبِهِم وطمس ثقافتهم، كما فرضتْ قيودًا مشدَّدة على بناء المساجد[8]. الأمر الذى وصل لمنع المُسلمين في الصين من صيام شهر رمضان في عام 2013[9].

 

2- قمع الجماعات الانفصالية وردود الفعل الحكومية على العنف المًسلح  بين الهان والويغور

 

في عام 2009 وقعت مصادمات دامية هي الأقوى بين الهان ( الأغلبية الصينية) والويغور حيث نشبت أعمال عنف، في ردٍ فوري على مقتل عاملَيْن من الويغور خلال اشتباكات مع العمال الصينيين من الهان[10]. وفي أوروموتشي، عاصمة إقليم شينجيانج، ونتج عنها مقتل قرابة 200 شخص، وبدورها زعمت الحكومة الصينية أن معظم القتلى من جماعات الهان الصينية وقامت بقمع المظاهرات الويغورية التى خرجت احتجاجات على الواقعة، وعلى الرغم من أن جماعة الويغور نفت ذلك إلّا أن الصين قد اتهمت مؤتمر الويغور العالمي( المُدافع عن حقوق الويغوريين ) بلعب دور في تأجيج أعمال العنف [11], في حين أشار تقرير منظمة حقوق الإنسان إلى  أن الشرطة الصينية قامت بتوزيع الهرَّاوات الحديدية على حشود "الهان" لضرب "الويغور"، مؤكدًا مسئولية قوات الأمن عن أعمال الشغب والعُنف التي اندلعت ضدّ مسلمي الويغور والعمل على إشعال نار الفتنة وتأجيج روح الكراهية ضدَّهم. وقد ألقت الحكومة الصينية المسئولية على ما أسمته قوى التحريض الخارجية المعادية، في إشارة إلى ربيعة قدير" زعيمة الويغوريين" , والتي نفتْ أيَّ تورُّط لها في هذه الأعمال[12]، وفي عام 2011 شهدت هوتان أعمال عنف حينما شنت مجموعة ويغورية انفصالية هجومًا على ضباط شرطة، خلَّف قتلى وإصابات شديدة(4)[13] . وفي عام 2013، تكررت أعمال الشغب والقتل في إقليم شينجيانج بطرق شتى .

 

3- سياسة التهجير

 

   اتبعت الحكومة الصينية سياسة التهجير لتغيير التركيبة السكانية للإقليم بحيث قامت بترغيب الهان بالإقامة في إقليم الويغور مما أدى إلى زيادة تدريجية في نسبة السكان الهان الصينيين في المنطقة، وفى المقابل هاجر الكثير من المسلمين من سكان الإقليم نتيجة لاضطراب المنطقة سواء للدول المجاورة للإقليم أو لمناطق أخرى بالصين وهى سياسه انتهجتها الحكومة الصينية حيث أنه فة عام 2010 سعت السلطات الصينية إلى هدْم مدينة "كاشجر" القديمة, ذات الأغلبية الويغورية، في جنوب غرب منطقة شينجيانغ، وتهجير 200 ألف من سكانها, بحجَّة خضوع المدينة لإعادة تطوير ضخمة [14], حتى أصبحوا يمثلون الآن قرابة 40% من سكان شينجيانج، في مقابل 45% من الويغور[15]

 

4- العمل الدبلوماسي الصيني على المستوى الإقليمي

 

أحرزت الصين نجاحًا في احتواء مسألة الانفصال ضمن إطار شنغهاي ومنظمة شنغهاي للتعاون SCO، التي خلَفتها وتأسست في عام 2001، وكان أحد أوائل أعمال المنظمة هو اعتماد “عهد شنغهاي لقمع الإرهاب والانفصال والتطرف الديني”، الذي يهدف إلى تأسيس مجتمع قوي استجابة للتهديد الواضح الذي يمثله الإسلام الأصولي على هذه الدول، وهي العوامل التي جعلت الموقف الصيني يحظى بتأييد جيرانها في آسيا الوسطى  وأنها تعمل على الحفاظ على أمنها القومي ضد الارهابيين مما دفع باكستان لإعلان تأييدها الرسمي للصين[16]

 

5- التنمية الاقتصادية في الإقليم

 

تسعى الحكومة إلى إطلاق برنامج للتنمية الاقتصادية في إقليم شينجيانج الغني بالموارد، اعتقاداً بأن النمو الاقتصادي سوف يؤدي إلى تخفيف وطأة معاناة السكان هناك، وبالتالي تقليل تأييد الأقليات للأصولية الإسلامية، حيث وعد الرئيس الصيني جين تاو أنه بحلول عام 2015 أي بعد 5 سنوات من وضع خطط التنمية الاقتصادية للإقليم سيزداد الناتج القومي للفرد في الإقليم وأن الحكومة تهدف لمعالجة المناطق الفقيرة في الإقليم لتسوية الاضطرابات بالحلول الاقتصادية[17] وكان لتلك السياسة السابقة أثراً استغلته الحكومة الصينية لصالحها أما المُجتمع الدولي لتبرير العُنف حيث تكونت حركات أشبه بالتحرر الوطني خاصة وأن الاقليم كان يتمتع باستقلال ذاتي ويسمى (تركستان الشرقية) و لم يكن تحت حُكم الصين المباشر إلّا بعد نجاح الثورة الشيوعية في 1949 وهى الحركات التي اتهمتها الحكومة الصينية بأنها جماعات ارهابية مُسلحة وأصبحت أمام المُجتمع الدولي أنها مُمثلة للعنف الاسلامي وتابعة للقاعدة . حيث أنه في ظل هذه الأوضاع تشكلت جماعات سرية مسلحة تعمل داخل الإقليم لتحريره من وجهة نظرهم وهُم مثل : (الحزب الإسلامي لتركستان الشرقية، حركة تحرير تركستان)  لكنها كانت هشة من جانب التسليح فتفككت على يد قوات الأمن الصينية, ظهرت جماعات جديدة مثل جماعة (شرارة الوطن)  وحركة (نمور لوينور) التي يقودها كاهبارشاخيار، الذي كان مدعما من جماعات سياسية تتخذ كازاخستان قاعدة لها، مثل الجبهة الوطنية الثورية.[18]

 

التعامل العربي والإسلامي مع قمع الأقلية المٌسلمة بالصين

 

اتخذت الدول العربية موقفاً سلبيا تجاه الأحداث عبر الصمت التام، ولم تتحرك منظمة المؤتمر الإسلامي لتخفيف الضغط على مسلمي الصين وهو ما عبرت عنه زعيمة الويغور قائلة إن الدول الإسلامية مثل باكستان وأفغانستان والسعودية ومصر وسوريا وغيرها من الدول الإسلامية بالإضافة إلى دول وسط آسيا، كلها قامت بنفي الويغور الذين لجئوا إليها هربًا من الاضطهاد والظلم الصيني، ليس هذا وفقط بل قاموا بإعادتهم إلى الصين حيث قتلوا أو صدرت بحقهم أحكام بالسجن مدى الحياة".[19][20]. إلاّ أن موقف الحكومة التُركية كان مُغايراً لما جاء علية موقف الدول العربية حيث أعربت تُركيا عن استيائها من حالة العنف المُمارسة من قبل الحكومة الصينية ضد سكان اقليم تركستان الشرقية, إذ أن أغلب المسلمين الويغوريين يتحدثون اللغة التُركية. وهو ماعبَر عنه رئيس الحكومة التُركية رجب طيب أردوغان تعليقاً على أحداث العُنف التي شهدها الاقليم في عام 2009 بين الهان والويغور حيثُ أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أن بلاده ستطلب من مجلس الأمن مناقشة السبل الكفيلة بوقف العنف العرقي الذي يتعرض له أبناء عرق الويغور في تركستان الشرقية المحتلة والتي تقع شمال غربي الصين منذ الأحد الماضي. وقال أردوغان في اجتماع مع دول مجلس التعاون الخليجي في اسطنبول: "سنضع الأحداث الدائرة في إقليم شينجيانج الذي يتمتع بحكم ذاتي على جدول أعمال مجلس الأمن[21].

 

أسباب الأزمة الصينية:

 

 بمُلاحظه تتابع الأحداث, نجد أن إشكالية الأقلية المُسلمة في الصين لا تكمن في الديانة بقدر ما تكمن في محاولة الحكومة الشيوعية السيطرة على إقليم تركستان الشرقية لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية لكون الإقليم غني بالبترول والفحم والأراضي الخصبة للزراعة علاوة على الجغرافية السياسية المتميزة للإقليم , وللبعد الايديولوجي الشيوعي دوراً في محاولات طمس المعالم والمظاهر الدينية, وبدليل وجود أقليات مُسلمة أخرى مثل " الهوى"  والتي لا تتعرض لمثل ما تتعرض له الويغور إذ أنهم قومية مختلفة لا تتمسك بالمظاهر الدينية الاسلامية. ولكن ظل الويغور محتفظين بهويتهم ورغبتهم في  تفعيل الحُكم الذاتي وأحيانا الاستقلال عن الصين خاصة أن الاقليم لم يكن تابعاً للصين قبل الحكم الشيوعي. ومثل ذلك القمع لمسلمي الويغور أدّى لتواجد تنظيمات وجماعات عدة تدعو للجهاد والحفاظ على الهوية الاسلامية ضد الدولة الصينية الشيوعية وسياستها السابق ذكرها سواء بتنظيم تظاهرات سلمية أو بمحاولات التفجير كما تذكر الصحف ووسائل الاعلام الصينية أو بأعمال شغب عامة وقابلتها الحكومة بالعُنف وأنها جماعات ارهابيه انفصالية. والخروج من الأزمة قد يكون بتفعيل الحكومة الصينية للحكم الذاتي في الإقليم وهو ما لن يأتي إلّا بضغط عربي واسلامي على الصين بدلاً من حالة الصمت السائدة إذ تُعتبر الدول العربية أسواقا مفتوحه للاقتصاد الصيني وهو ما يمكن أن تعتبره الدول العربية ورقة ضغط ناجحة .

 

2-  بورما " الأقلية المُسلمة في ماينمار"

 

 وضع الأقلية المُسلمة في ماينمار

 

أولا: الخلفية التاريخية والوضع الجغرافي

 

   وكحال أغلب الأقليات المُسلمة في القاره الأسيوية, لم يسلم المُسلمون فى بورما وبخاصة فى منطقة أراكان من الاضطهاد الديني والعدوان الطائفي الذى يُعتبر أكثر حدة من غيره, و تقع بورما في جنوب شرق أسيا وبها أراكان بالجنوب الغربي لبورما، ويفصله عن باقي أجزاء بورما حد طبيعي هو سلسلة جبال "أراكان يوما" الممتدة من جبال الهملايا[22]. وتقارب نسبة المسلمين في بورما 5% في 2013 بدلا من 15% لعام 2009 [23] رغم كُل ما تعرضوا له طوال القرن العشرين من مذابح وتهجير, تتركز أغلبية المُسلمين في منطقة أراكان وهُم يُسمون بالروهينغا وتوجد الأغلبية البوذيين من الماغ التي تُمارس التطهير العرقي المُقنن ضد الأقلية المسلمة وتعتبر هذه الملايين هم مهاجرين غير شرعيين وتضرب جذور المشكلة في أعماق التاريخ تشكلت بقوى الاحتلال البريطاني الذى استقل بأراكان عن الهند كمستعمره له, ثُم ضمها لبورما وأنهت انجلترا احتلالها في 1948 منحت بريطانيا الاستقلال لـ "بورما" شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما إن حصل "البورمان" على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، حيث استمرت في احتلال أراكان دون رغبة سكانها من المسلمين الروهينغا، إلى أن جاء الانقلاب العسكري الشيوعي في 1962[24] وكانت اسوأ فترة مر بها المُسلمون وحتى بعد إقامة حكومة مدنية وعملية انتخابية لانتقال نحو الديمقراطية ظلت أحوال المُسلمين رهينة العنف والاضطهاد وأنّات المُخيمات بين بورما وبنجلاديش لتضم ملايين المُسلمين المُشردين بين فقر ومرض لتعبر عن تاريخ من الألم ومُستقبل من الخوف .

 

ثانيا : التحديات التي تواجه الأقلية المُسلمة في ميانمار

 

1- تقنين التمييز العُنصري ( الحرمان من المواطنة, تحديد النسل )

 

لا تعترف ميانمار بوجود المُسلمين, بل وتعتبرهم غُرباء، على أرض يعيشون عليها منذ قرون. وتبريرهم لذلك أن شعب ميانمار هم من البوذيين الماج فقط، أما مسلمو الروهينجا فهم مهاجرون من بنجلاديش. لذا قننت ميانمار التمييز والاضطهاد ضد المسلمين الروهينجا بإصدار قانون الجنسية في 1982 الذي وصفهم بأنهم مهاجرون من بنجلاديش مما جعلهم بلا وطن، كما منعتهم من ممارسة كافة حقوقهم السياسية وصادرت ممتلكاتهم ومحالهم. فهم بحسب نص القانون «مواطنون من الدرجة الثالثة»، وهم المسلمون حيث صنفوا على أنهم أجانب دخلوا البلاد لاجئين أثناء الاحتلال البريطاني[25]. كما قامت الحكومة البورمية  بمنع المُسلمين من الزواج لمدة ثلاث سنوات ثُم زيادة سن الزواج, فالمسلمة ممنوع أن تتزوج قبل سن الـ 25 عاما أما الرجل فلا يسمح له بالزواج قبل سن الـ 30 من عمره.[26] ثم وضعت الحكومة حدا للسيطرة على النمو السكانية للأقلية المُسلمة.حيث فرضت قانون الطفلين الذى لا يسمح بأكثر من طفلين لأى أسره مسلمة, هذا إضافة إلى تأمين موافقة رسمية (عن طريق دفع رشاوى) للزوجين المسلمين قبل الزواج، إذ عليهما تقديم بيان موقع منهما يتعهدان به عدم إنجاب أكثر من طفلين؛ وأي انتهاك لهذا القانون سيؤدي إلى فرض غرامات وسجن. أما النساء اللائي ينتهكن هذه القوانين فكن يهربن من البلاد ، مما يؤثر على أسرهن و مجتمعاتهن. أو كن يخترن الإجهاض للعودة إلى ديارهن لكن بعد تعريض صحتهن البدنية والنفسية للخطر. أما الطفل فيُحرم من كافه الحقوق حتى التعليم, ووفقا لأحد التقارير الحكومية هناك الآن ما يقرب من60 ألف طفل روهينجي غير مسجلين في ميانمار.[27]

 

2- التهجير الجماعي  والممارسات القمعية

 

تبنت الحكومة الشيوعية منهج التهجير المُستمر للمسلمين حتى قامت حكومة الانقلاب العسكري بالعديد من عمليات التهجير للمسلمين إلى بنجلاديش والسعودية وغيرهم ثُم تم طرد أكثر من 150.000 مسلم، بسبب بناء القرى النموذجية للبوذيين في محاولة للتغيير الديموغرافي، وفى 1991م تم طرد قرابة نصف مليون مسلم، وذلك عقب إلغاء نتائج الانتخابات العامة التي فازت فيها المعارضة بأغلبية ساحقة انتقاماً من المسلمين، لأنهم صوتوا مع عامة أهل البلاد لصالح الحزب الوطني الديمقراطي المعارض[28] وحتى بعد إقامة حكومة مدنية جديدة فى 2012 ورغم كافه وعود الرئيس الجديد إلّا أنه شهد تطهيرا عرقيا قاسيا ولا إنساني حيث قامت السلطات بحرق قرى كاملة يعيش بها المسلمون لطردهم إلى بنغلاديش، التي رفضت استقبالهم بدعوى أنهم شعب بورمي وإن كانوا من المسلمين. وفي يونيو تعرض عشرةٌ من دعاة المسلمين الأراكانيين لمذبحة على يد مجموعة بوذية، حيث قامت بالتمثيل بجثثهم دونما أدنى كرامة للميت. وكعادتها غضّت الحكومة الميانمارية الطرف، وبدأت الحكومة بهدم المنازل ومهاجمة المسلمين الذين يؤدون الصلاة دونما رحمة. ثُم فُرض حظر التجول على مناطق يسكنها المسلمون، ثم بدأت جماعات بوذية مسلحة يساندها الجيش بمهاجمة البيوت وقتل من فيها. وتم في العملية إحراق أكثر من 3 آلاف منزل من منازل المسلمين[29] وفى 2013 أعلنت حالة الطوارئ حيث أسفرت المواجهات بين المسلمين والماغ  التي تتجدد باستمرار عن مقتل قرابه 200 شخص ونزوح حوالى 110 ألف أخرين[30].

 

3- القضاء على الهوية الإسلامية

 

حيثُ لم يكن الجانب الديني والعقائدي بمنأى عن تلك الممارسات القمعية، حيث تشير تقارير عديدة للمنظمات الدولية الحقوقية إلى قيام السلطات بهدم بعض المساجد والمدارس الدينية في المناطق التي يقطنها "الروهينجيا"، ومنع استخدام مكبرات الصوت عند الأذان، والسماح لعدد قليل من مسلمي "الروهينجيا" بأداء فريضة الحج[31].

 

4- الوضع الإقليمي

 

تدعم الصين الحكومة البورمية في اضطهادها للمسلمين وترفض أيه عقوبات عليها فى  حين تستقبل دول الجوار مثل بنجلاديش اللاجئين المسلمين مما يعني تصدير بورما لمشاكلها للغير وهو ما أصبحت تعاني منه المخيمات من فقر وأمراض المستنقعات  كالملاريا خاصة وأن بنجلاديش بلد فقير .

 

التعامل العربي والاسلامي مع قمع الأقلية المُسلمة في ماينمار

 

على عكس الصمت العربي الذى ساد بصدد قضية الأقلية المُسلمة في الصين , نطَق اللسان العربي فى قضية مُسلمي أراكان . وهو ما عبّرت عنه منظمة المؤتمر الإسلامي حيث طالبت الدول الأعضاء والمجتمع الدولي بالتدخل السريع لدى حكومة ميانمار من أجل العمل على منع عمليات العنف والقتل التي تتعرض لها الأقلية، وتقديم المسئولين عن هذه الأعمال إلى العدالة[32]. كما أصدر الأزهر العديد من البيانات التى تدين تلك الإعتداءات مناشدا الأمة الاسلامية بالضغط لوقفها ومساعدة المسلمين اللاجئين[33].

 

أما عن الموقف الغربي فقد أصدرت العديد من مركز حقوق الإنسان العالمية مثل تقارير الهيومان رايتس, كما يشير تقرير المفوضية العليا للاجئين إلى أن مسلمي "الروهينجيا" يتعرضون لكل أنواع الإضطهاد، منها العمل القسري، والإبتزاز، وفرض قيود على التحرك، وانعدام الحق في الإقامة، والخضوع لقواعد الزواج الجائر، ومصادرة الأراضي التي يمتلكونها. وقد دفع ذلك الأمم المتحدة إلى اعتبار مسلمي "الروهينجيا" إحدى الأقليات الأكثر تعرضًا للاضطهاد في العالم"، بينما أشارت بعض وسائل الإعلام إلى أن الانتهاكات التي يتعرض لها مسلمو "الروهينجيا" ترقى إلى مرتبة "التطهير الجماعي"[34].

 

تحليل أسباب الأزمة البورمية ورغبة فى إيجاد حلول

 

ولكننا نرى أن كل هذه الردود لم تسفر عن حل جذري إذ ظل الصراع بين الماغ البوذية والروهينغا المسلمة قائما وظلت الحكومة البورمية تمارس الاضطهاد والإبادة الجماعية تجاه المسلمين مع كل قضية عرقية تُثار. وخلاصة الأمر أن المشكلة في بورما طائفية بامتياز معتمدة على البعد الديني باضطهاد الأقلية المسلمة على يد الأغلبية البوذية بخلفية تضرب في جذور التاريخ عن إشكاليات جغرافيا المكان حيث أنه إذا كانت منطقة أراكان هي تابعة للهند في الأصل قبل الاحتلال البريطاني لها  فمن الممكن أن تعود اليها أو تتمتع بحكم ذاتي وهو ما ترفضه بشدة الحكومة البورمية وتسعى للسيطرة على الإقليم واعتبار المسلمين فيه أنهم غُرباء بتمييز قانوني فاشي يخالف حقوق المواطنة والمعايير العالمية لحقوق الانسان . والصين المجاورة لبورما ستخشى بالتأكيد من القلاقل التي قد تسببها أيه حركات أو منظمات جهادية قد تقوم كرد فعل لذلك الاضطهاد المُمنهج وهو ما يُمكن أن تُمارس الدبلوماسيات العربية دورها فيه (وهو الحل بعيد المدى), أما عن الحلول الخاصة بالمدى القصير فهي من الممكن أن تتعلق بإقامة حصار اقتصادي وعقوبات عالمية على بورما من المُمكن أن تصل بورما لتسوية الحكم الذاتي لأراكان أو على الأقل إلغاء قوانين التمييز العنصري وسياسات الإبادة العرقية التي تنتهجها الحكومة البورمية وإقامة المعايير الخاصة بحقوق المواطنة في الجنسية والتعليم تحت حكم الحكومة المركزية البورمية حتى لا تصبح تلك المنطقة مصدرا للقلق لروسيا أو الصين مُستقبليا بتدخُل أجنبي أو بعُنف مسلح  مضاد من المسلمين المضطهدين  تجاه الدولة البورمية, وتظل إشكالية مُخيمات اللاجئين التي تحتوى على ملايين من المُسلمين في أوضاع مزريه على حدود بورما وبخاصه قرب بنجلاديش إذ أن الأخيرة فقيرة ولا تستطيع تحمل تصدير بورما لمشاكلها وتبقى المساعدة الجزئية على أعتاق المُسلمين على المدى القصير خاصة بالمساعدات الطبية والغذائية والمعيشية لهؤلاء اللاجئين, بينما يجب أن تمارس الحكومات العربية والاسلامية دورها وواجبها بضغط عربي ودولي لتحريك القضية في نطاق أوسع يعتمد على الضغط من أجل السلم والأمن الدوليين بمنطقة جنوب شرق أسيا .

 

3-  سريلانكا

 

 ويبقى مُسلسل الاضطهاد الذى تتعرض له الأقليات المُسلمة في أسيا قائما بصور شتى وبطرق متعددة ولأسباب  لازالت تُحاول الورقة توضيحها بالاعتماد على الوضع التاريخي والجغرافيا , والعرقيات المتصارعة , والدوافع الحقيقية وراء تعسف الحكومات مع الأقلية المُسلمة في تلك المناطق, فلم يسلم المسلمون في سريلانكا من مواجهة أمراض المخيمات أو الاعتداء والإبادة أو الاضطهاد الشعبي أو الصمت الحكومي وإن كانوا أكثر حظا من الأقليات المُسلمة فى الصين أوميانمار.

 

وضع الأقلية المُسلمة في سريلانكا

 

أولا: الخلفية التاريخية والوضع الجُغرافي

 

ففي البداية تقع سريلانكا في الجنوب الشرقي للهند ويُقدر عدد المسلمين في سريلانكا بحوالي 2 مليون بنسبة 10 % وهما أقليتان (المورو والملايو)، وتبلغ نسبة السنهاليين 69% ويعتنقون البوذية، أما التاميل تمثل  15% من الهندوس ويعيش أغلبهم في المناطق الشمالية والشرقية للبلاد[35], انتشر الإسلام في "سيلان" قديما  حتى ساد الدولة كلها حتى غزو البرتغاليين الذين قاموا بالمذابح ضد المسلمين المتواجدين سُكان البلاد وحُكّامها ثُم جاء الاحتلال البريطاني الذى قام بعمليات التبشير في سيلان حتى رحيل الاحتلال في 1948 ثُم وقوع المشاحنات والمصادمات بين الهندوس والبوذيين ووقفت أثنائها الأقلية المُسلمة مع الحكومة البوذية ضد الانفصاليين الهندوس فكان مصيرهم القمع والاضطهاد من متطرفي الهندوس ثُم حديثا ما يتعرضون له من عنف من الجماعات البوذية المتطرفة. وبكن يتمتع المسلمون بمزايا نسبية حيثُ يتمتع المُسلمون بحرية في الحركة والاعتقاد, والأوضاع الاقتصادية أيضاً أفضل من غيرهم من الأقليات في دول شرق أسيا, وإن كان مستوى التعليم ضعيفا لرفضهم تلقي التعليم الغربي, لكن المسلمين يتمتعون بحرية دينية ولو جزئية في البلاد، وهم أحسن حالاً من المسلمين في الهند، حيث يتمتعون بحرية تامة في بناء المساجد والمدارس الإسلامية الخاصة، وهناك  وزراء مسلمين وأعضاء في البرلمان، وهناك وزارة للشؤون الإسلامية لرعاية المساجد , إضافة الى ترجمة القرآن الكريم الى اللغة السنهالية الرسمية فى سريلانكا[36] .

 

ثانيا : التحديات التي يواجهها المسلمون في سريلانكا حديثاً

 

يُمكن تقسيم التحديات لفترتين من الزمان, الأولى كان فيها الصراع بين البوذيين والهندوس ثُم الثانية التي أصبحت معاناة المسلمين فيها على يد جماعات متشددة بوذية تضطهد المُسلمين بصمت حكومي.

 

التحدي الأول:

 

دار صراع طائفي داخل المجتمع السريلانكي دامت قرابة الثلاثين عاماً بسبب حركة ثورية انفصالية من المتمردين الهندوس وخلال الثلاثين عاماُ من الحرب الأهليَّة بين جبهة نمور التاميل للتحرير "الهندوسية "والحكومة المركزيَّة " البوذية" وقف مسلمو الجزيرة مع الحكومة البوذية  ضد "نمور التاميل"، ما أدّى إلى قيام التاميل المتطرفين بارتكاب مذبحةٍ كبيرةٍ ضدّ المسلمين عام 1990م، حيث قام أعضاء هذه المنظمة بإطلاق النار على عددٍ غفيرٍ من المسلمين، وهم يؤدون الصلاة داخل المسجد، إضافة إلى قيامهم بعددٍ من عمليات القتل والتشريد، وقد تسبّبت هذه الهجمات في قتل وتشريد 100 ألف مسلم من المناطق الشمالية، وحوّلت المسلمين إلى لاجئين في أراضيهم، إضافة إلى هدم وتدمير أكثر من 200 مسجدٍ تاريخي في مناطق المسلمين[37].

 

التحدي الثاني وهو الحديث والقائم حتى الآن .

 

   يكمن التحدي الحالي في التهديدات التي تقوم بها جماعة الـ "بودو بالاسنا" البوذية المتطرفة، التي أحرقت بعض المساجد، وهدّدت بتحطيم محال المسلمين، وشنّت حملاتٍ إلكترونيةً لمقاطعة تجارتهم، ودعت إلى عدم التعامل معهم وإبادتهم أو طردهم من الجزيرة نهائياً. وحذّر كثير من المنظمات الدولية العاملة في المجالات الإنسانية من وقوع أحداث عنفٍ عنصريةٍ جديدةٍ ضدّ المسلمين السريلانكيين مثلما يحدث في بورما على أيدي البوذيين, وهو ماحدث بالفعل. كما أن الرهبان البوذيين السريلانكيين المتشدّدين خرجوا مؤخراً بمظاهراتٍ احتجاجيةٍ حاشدةٍ تطالب بإزالة عددٍ من المساجد، وقاموا بإحراق دور لتحفيظ القرآن واعتبرها عمل غير قانوني، وقيامهم بحرق مسجديْن في أعياد الأضحى بداعي أن المسجد يقوم بذبح الحيوانات (اعتراضهم على الذبح على طريقة الشريعة الإسلامية), كما يُلاحظ انتشار حملاتٍ عنصريةٍ إلكترونية ترافقها هتافاتٌ، وشعارات عدائية من الأغلبية البوذية ضدّ الأقلية المسلمة في سريلانكا؛ تدعو إلى مقاطعة المسلمين اقتصادياً وعدم الشراء من محالهم، وعدم بيع الأراضي والممتلكات لهم، وعدم العمل لديهم، ما أدّى إلى إفلاس عددٍ منهم، مع تصويرهم على أنهم إرهابيون وطغاة وقساة قلوب، وتكريس التخوّف من سيطرة المسلمين على سريلانكا بسبب تزايدهم السكاني. كما تمارس الجماعات البوذية أساليب تتنامى بشكلٍ واضحٍ من خلال دعواتها للعنف والتطرف بمساعدة بعض وسائل الإعلام السريلانكية البوذية المتطرفة[38] .

 

تحليل أسباب أزمة الأقليات المُسلمة فىي سيرلانكا

 

ويطرح الباحث سؤالاً " لماذا تتجه تلك الجماعات البوذية المتطرفة لقمع الأقلية المُسلمة التي وقفت سابقا بجانب الحكومة البوذية بدلا من أن تضطهد الأقلية الهندوسية التي حاولت الانفصال قبل ذلك على سبيل المثال ؟ وتحاول الورقة جاهدة الإجابة عن هذا التساؤل ف الإطار التالي:

 

1- البُعد الدولي :     

 

   تَجري منافسة إقليمية للفوز بالقوى العظمى، وهي مَن يتحكَّم ويُسيطِر على سريلانكا وبما أن صلات سريلانكا مع الصين والهند قد توثَّقت بعد إبعاد أمريكا، فتُحاول أمريكا تبديل تلك الأوضاع. وتدعم حركة بودوبالاسينا محاولات أمريكا لأجل إيقاع سريلانكا في محرِّكها بتخريب بيئتها المُنتظِمة، وكانت بودوبالاسينا تُبدي تعليقات مضادة للهندوس في البداية، وقد تمَّ تحويلها الآن إلى ممارساتها ضد المسلمين، (حركة بودوبالاسينا ليس عاملاً دوليًّا فحسب، بل هي عامل محلي أيضًا)، إضافة إلى مصلحة تجار الأسلحة على الصعيد الدولي في إيجاد بيئة حربية داخل سريلانكا [39].

 

2-  السياسة الداخلية :

 

  انتشار ثقافة العنصرية، البوذي السريلانكي وقد اتخذ الحكام البوذيون العنصرية سلاحًا لإبقاء استقرارهم السياسي الخاص بأنفسهم وأهليهم، كما يَرغبون في اختيارهم كرؤساء البلاد بتصويت البوذيِّين فقط مستقبلاً، وكائنًا من كان قائد بودبوبالاسينا, فإن ممارساته تعود لمصالح الحكومة البوذية[40].

 

3- الناحية الاقتصادية:

 

يردد البوذيون بأن المسلمين هم الذين يسيطرون على اقتصاد البلاد والمنافسات التجارية فيها منذ فترة طويلة، الأمر الذي يؤثِّر تأثيرًا بالغًا في هذه المشاكل الحالية، وقد اندلعَت الاضطرابات والمنازعات بين البوذيِّين والمسلمين في التاريخ بسبب ذلك، وكذلك المهاجمات العنصرية البوذية على منطقة ماونلا التي غالب سكانها مسلمون، والتهديدات المُعاصِرة ضد مراكز التجارة الإسلامية كلها من سلسلاتها المستمرة[41].

 

4-  الناحية الدينيَّة:

 

تزايدت أعداد المُسلمين في سيرلانكا والتمسُّك الديني لدى المسلمين، مما أثار حفيظة المتطرفين البوذيين وخشية الحكومة البوذية من زيادة أعداهم ومطالبتهم بالحكم والسلطة. وفى المقابل يُحاول البعض تحويل سريلانكا لدولة دينية بوذية؛ بالقضاء على التعدد العرقي بها, حيث يقومون بتوجيه عوام الناس لتحقيق هذا الهدف من خلال مسْحِ وتدمير الرموز الدينية والآثار التاريخيَّة للدين الإسلامي في سريلانكا .

 

التعامل العربي والاسلامي مع اضطهاد مسلمي سريلانكا

 

استنكرت رابطة العالم الإسلامي حملات العنف والاضطهاد ضد مسلمي سريلانكا التي يشنها بوذيون متشددون ضد المسلمين في سريلانكا وناشد أمينها العام منظمة المؤتمر الاسلامي والدول الاسلامية بالتحرك[42]. كما طالبت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إسيسكو" منظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى حماية مسلمي سريلانكا من عنف البوذيين [43] .

 

*خاتمة :

 

تطرح الورقة صورة هامة لقضايا حقوق الإنسان وهى قضايا اضطهاد الأقليات الدينية , وتتبع الورقة طريقة لتقسيم المُقارنة بين الدول الآسيوية الثلاث " الصين وماينمار و سريلانكا " وهى أولاً دراسة وبحث وضع الأقليات المسلمة في تلك الدول ويتضمن ذلك ثلاث نقاط رئيسة وهُم الخلفية التاريخية للأقلية المُسلمة والوضع الجُغرافي للإقليم الذى تقطن فيه أغلبية المُسلمين ثُم الانتقال إلى السياسات التي تتخذها حكومات هذه الدول تجاه الأقلية المُسلمة مُستعرضا أهم التحديات التي تواجهُهم , وثانياً تقوم الورقة بعرض مُبسَط لتحليل أسباب الاضطهاد والقمع الذى تعانيه الأقليَة المُسلمة وثالثاً وأخيراً يتم الإشارة الى التعامل العربي والإسلامي ومُنظمات حقوق الانسان العالمية مع قضايا الأقليات المُسلمة المُضطهدة في دول آسيا.

 

ويجدُر بنا في ختام هذه الورقة أن يُطرح سؤالاً هاماً " هل لو كانت الأقلية التي تسكن إقليم تركستان في الصين أو منطقه أراكان في بورما من الأقلية المسيحية أو الهندوسية أو حتى اللادينية. هل كان وضع الأقليات في تلك المناطق سيكون بنفس درجة السوء والاضطهاد التي يعاني منها المُسلمين في تلك الأماكن ؟!" أي باختصار هل الأمر هو فقط مُقتصر على ديانة القائمين في تلك المناطق أم هو متعلق بالمناطق نفسها بصرف النظر عن ديانة قاطنيها. والورقة ترى أن الإجابة على هذا السؤال المركب تتضمن المكون الديني والجغرافي " المكاني" والثقافي معاً.

 

مُستقبل الأقليات المُسلمة

 

على المدى القصير يمكن القول أن الأوضاع في تلك المناطق ستظل على حالتها ولن تتخذ الحكومات القائمة أيه تعديلات في سياستها المُتبعة تجاه الأقلية المُسلمة وأن ذلك سيُقابل بجماعات انفصالية مُسلحة مثلما حدث في تركستان, وهو ما سيجعل أوضاع المُسلمين في مزيد من التهجير وأمراض المُخيمات والقتل والأعمال الطائفية بين تلك الجماعات والدولة المركزية وتتدخل الأغلبية في كُل بلد ضد الأقلية المُسلمة التي تُهاجم الحكومة وتُصبح حروب أهلية دائرة . وان صمدت تلك الجماعات وقوبلت بالدعم المادي واللوجستي اقليمياً أو من الدول الإسلامية, من الممكن أن تحصل على استقلالها الذاتي أو علي الأقل تفعيل الحكم الذاتي وهو احتمال ضعيف وسط التخاذل الاسلامي العام والاشارة للعنف المُقابل للدولة على أنه عمليات ارهاب منهجه فتفقد قضية الأقليات المُسلمة كَم من التعاطف العالمي وان كانت تلك العمليات رَد فعل ونتيجة .

 

وأخيراً يجب أن ننظر لقضية الأقليات من منظور كُلي أوسع وأعمق, ونطرح تساؤلات عدة, ألا وهى هل مواقف الولايات المُتحدة الأمريكية من الشجب والإدانة أحياناً وتوقيع عقوبات اقتصادية مثلما في بورما أحياناً أُخرى. هل تنبع حقاً عن قناعات أمريكية بجدوى حقوق الإنسان والأقليات المُسلمة. أم هي المصلحة الأمريكية ؟ وهل تلك المناطق بالأهمية التي تجعل الولايات المتحدة تتدخل لشأنها ولا شك أولاً في أن الدول عامة في العلاقات الدولية تعمل لمصلحتها وحسب, وأن حقوق الأقليات ورغم ما تتعرض له من قمع واضطهاد لن تجد نصيراً لها إلّا من أبناء ديانة أو عرقية نفس الأقلية في مناطق أخرى, وأن الولايات المُتحدة كقوة عُظمى تعمل لبسط نفوذها في بقاع مُختلفة من شرق أسيا باستغلال الانقسامات العرقية في دول أسيا النامية خاصة مع تنامي الصين كقوة اقتصادية, لذا تكون سياسة الولايات المُتحدة الأمريكية الظاهرية الدعوة للسلام والأمن وحقوق الأقليات, ولكنها تتخذها ذريعة للتدخل أو على الأقل تُعلن مواقفها تباعاً التي تُبرر تدخلها في المُستقبل, فإن كانت مصلحتها في التدُخل ستفعل وقد تنتهك هي نفسها حقوق الإنسان عندئذ.

 

الهوامش

 

[1] بشير شايب , مفهوم الأقليات وعوامل نشؤها , المجلة الأفريقية للعلوم السياسية , ومتاح على http://www.bchaib.net/mas/index.php?option=com_content&view=article&id=105:-l-&catid=12:2010-12-09-22-56-15&Itemid=10

 

[2]محمود مراد , الاسلام الدين رقم واحد فى الصين .. ولكن ! , موقع السفارة الصينية فى مصر , 10 مايو 2004 , ومتاح على : http://eg.china-embassy.org/ara/ddmt/t97921.html

 

[3] محمد عبد العاطى , الأقليات المُسلمة فى العالم , مركز الجزيرة , ومتاح على : http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/fa45fbf5-7985-4462-b74e-b5fa1362b15b

 

[4]  محمد عبد العاطى , المرجع السابق

 

[5]  تقدير الحكومة الصينية لعدد السُكان المُسلمين فى الويغور, اسيا بريس , ومتاح على : http://www.assiapress.com/Post.aspx?id=115

 

[6] محمد عبد العاطى ,المرجع السابق 

 

[7] محمد عبد العاطى ,المرجع السابق 

 

[8] محمود سُلطان , مسلمو الويغور بعد عام من المأساة , الألوكة الثقافية نقلا عن موقع الاسلام اليوم , يوليو 2010 ومتاح على http://www.alukah.net/culture/0/23805/#ixzz34xE2gtq7

 

[9] الصين تمنع 9 ملايين مسلم من صيام رمضان, موقع الجزيرة , يوليو 2013, ومتاح على http://www.al-jazirah.com/2013/20130716/ms1.html 

 

[10] مايك جوزيف ,الإسلام والويغور في الصين.. الجذور والتحديات , ساسة بوست , ومتاح على : http://www.sasapost.com/islam-uygur/

 

[11] مايك جوزيف , مرجع سابق .

 

[12] محمود سُلطان , مرجع سابق.

 

[13] مايك جوزيف , مرجع سابق.

 

[14] محمود سُلطان , مرجع سابق.

 

[15] مايك جوزيف , مرجع سابق .

 

[16] مايك جوزيف , مرجع سابق .

 

[17] محمود سُلطان , مرجع سابق.

 

[18] علجية عيش, "مجانين الله"حركة إسلامية نشأت لإقامة دولة إسلامية في "الفيليبين" شبكة الحوار نت,ومتاح على : http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=12079#.U6bWBpR_vIV

 

[19] سمير العركى , مسلمو الصين بين القمع والتجاهل! , موقع د. سليمان العودة , 12 يوليو 2009, ومتاح على : http://www.islamtoday.net/salman/artshow-14-116022.htm

 

[20] علاء البشبيشى , انتقادات للدول الاسلامية حيال صمتها عن مذابح مسلمى الويغور,موقع الاسلام اليوم , 7 يوليو 2009 , ومتاح على : http://dev.islamtoday.net/nawafeth/artshow-12-115787.htm

 

[21] تركيا تتدخل لإنهاء العنف ضد مسلمي الويغور في تركستان, حركة التوحيد والاصلاح , 9 يوليو 2009 , ومتاح : http://www.alislah.org/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9/1172

 

[22] عادل صديق , المسلمين فى بورما لا بوكى لهم , موقع قصة الاسلام, مارس 2009, ومتاح على: http://islamstory.com/ar/%D8%A7%D9%9%8A%D8%AE-%D9%88%D8%A7%D8%B6%D8%B7%D9%87%D8%A7%D8%AF

 

[23]  أنجي عبد القادر , تحديات النساء والأطفال المسلمين في ميانمار, وكالة أنباء أراكان , ديسمبر 2013, متاح على: http://www.arakanna.com/ar/index.php?act=post&id=3620&title=%D8%AA%2%D8%A7%D8%AF%D8%B1

 

[24] عادل صديق , مرجع سابق .

 

[25]  رشا عبد الوهاب , مأساة " الروهينغا: مسلمون بلاوطن ", الأهرام الرقمى , يونية 2013 ومتاح على : http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=940115&eid=3409

 

[26] عادل صديق , مرجع سابق .

 

[27] أنجي عبد القادر , مرجع سابق .

 

[28] عادل صديق , مرجع سابق

 

[29] ابادة المسلمين فى ماينمار , موقع ايلاف , يونيو 2012 , ومتاح على : http://www.elaph.com/Web/NewsPapers/2012/8/752281.html

 

[30] عمرو عبد العاطى , أسباب وتداعيات مشكلة الروهينجا فى ماينمار , المركز الاقليمى للدراسات الاستراتيجية , يناير 2013 , ومتاح على : http://rcssmideast.org/%D8%A7%D8%A7%D8%AA-.html

 

[31] عمرو عبد العاطى , مرجع سابق

 

[32] موقف منظمة المؤتمر الاسلامى من بورما مُتاح على : http://www.alarabiya.net/articles/2012/07/05/224677.html

 

[33] الأزهر يناشد الأمة الاسلامية لمساعدة مسملى بورما , صحيفة سبق الالكترونية ,  عام 2012, ومتاح على : http://sabq.org/Oflfde

 

[34] عمرو عبد الهادى , مرجع سابق .

 

[35] أحمد عبد الظاهر , مسلمو سيرلانكا بين رغد الماضى وتحديات المُستقبل , موقع رسالة الاسلام , يوليو 2013 , ومتاح على : http://main.islammessage.com/newspage.aspx?id=19372

 

[36]  محمد البشير , أوضاع المُسلمين فى سيرلانكا , موقع الأولة , يونيو 2010 , ومتاح على : http://www.alukah.net/world_muslims/0/22817/#ixzz35t0x1xT3

 

[37] شقران الرشيدى , المسلمون في سريلانكا.. تهديدات "بوذية" بالإبادة والمقاطعة الاقتصادية "تُفلسهم", موقع سبَق , يناير 2013 , ومتاح على : http://sabq.org/a7vfde

 

[38] شقران الرشيدى , مرجع سابق .

 

[39] ادريس حسن صحوى , مشاكل تواجة المُسلمين فى سيرلانكا , موقع المُختصر , مارس 2013, ومتاح على : http://www.almokhtsar.com/node/130098

 

[40] ادريس حسن صحوى , مرجع سابق .

 

[41] أعمال العنف ضد المُسلمين وتحطيم محالهم التجارية (محاربتهم اقتصاديا) , موقع البى بى سى , يونيو 2014’ ومتاح على : http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2014/06/140617_srilanka_killing.shtml

 

[42] احتجاج الاسيسكو على مذابح البوذيين ضد المسلمين فى سيرلانكا , موقعالاخبارية أون لاين, يونيو 2014 ,ومتاح على : http://www.all-agencies.com/dz/l.php?id=2958 

 

[43] استنكار رابطة العالم الاسلامى لأعمال العنف ضد المسلمين فى سيرلانكا , موقع اليوم السابق نقلا عن أ ش أ , يونيو 2014, ومتاح على : http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1738699#.U66MXpR_vIU

،
  • تاريخ الإضافة : الثلاثاء  25 نوفمبر 2014 - 4:0 am
  • عدد المشاهدات : 4918